الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
252
نفحات القرآن
وبالإضافة إلى ذلك تشير هذه الآيات إلى أن تعجب هؤلاء نابع من عدم تصديقهم بإمكانيّة جمع أجزاء الإنسان التي تحللت في التراب . فلنتأمل الآن بهذه الآيات : 1 - « وَقَالَ الَّذينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ اذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفْى خَلْقٍ جَديدٍ * افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً امْ بِهِ جِنَّةٌ » . ( سبأ / 7 - 8 ) 2 - « إِنْ هُوَ إِلّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ومَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤمِنينَ » . ( المؤمنون / 38 ) جمع الآيات وتفسيرها هل يمكن أن نُخلقُ من التراب ثانية ؟ قد تعرضنا سابقاً لتفسير هذه الآيات أيضاً ، لكننا هنا ننظرإليها من زاوية أخرى جديدة ، وكل ما في الأمر أنّ المشركين الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وآله والذين هبّوا لمعارضته قالوا : لقد ظهر رجلٌ يدّعي بأنّكم سوف تُبعثون مرّة أخرى بعد أن تتحولوا إلى تراب وينتشر ترابكم في كلِّ صوب ، ثم يصفون هذا الادّعاء بالافتراء على اللَّه وأن قائله أصابه مسٌ من الجنون ، أي أنّه إنْ لم يكن مجنوناً فقد افترى على اللَّه كذباً كي يخدع الناس بذلك ، وإلّا فإنّه تحدّث بهذا بسبب ما أصابه من الجنون ! وفي الآية الثانية نواجه نفس هذا المعنى أيضاً ، فهذه الآية تتحدّث عمّا جاءَ على لسان قوم ثمود عند مقابلتهم لنبيّهم صالح ، فعندما تحدّث لهم النبي صالح عليه السلام عن المعاد غضبوا عليه وعدّوا ذلك نوعاً من الافتراء والكذب على اللَّه ! . لقد كانت جميع هذه الاعتراضات التي جُوبه بها نبي الإسلام صلى الله عليه وآله أو النبي صالح عليه السلام أو سائر الأنبياء منبثقة من دعوة الأنبياء الناس للتصديق بتحقق المعاد الجسماني ، فإنْ لم يكن الأمر كذلك فما معنى هذه الاعتراضات الشديدة ، فهذه الأمور تعتبر أدلة أخرى ممّا ورد في القرآن المجيد لإثبات تحقق المعاد الجسماني .